نخبة من الأكاديميين

90

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

جهة أخرى . وأولى هذه القصائد الشعبية التي لا نعرف لها مؤلفًا لأنها تراث جماعي ، هي تلك القصيدة المعروفة بأنشودة أنطاكية La Chanson dAntioche . ويمكن الإستنتاج من كثرة عدد المخطوطات التي تحمل نصوصًا مختلفة لهذه الأنشودة ، أنها كانت منتشرة على نطاق واسع في غرب أوروبا عامة ، وفي فرنسا بصفة خاصة . وفي هذه القصيدة نقرأ أن الحملة الصليبية كانت بأمر من الرب نفسه ، وأن الفرنج هم الشعب الذي اختاره الرب لكي ينتقموا لموته ويخلصوا ضريحه من الكفار ( أي المسلمين ) ؛ وهي هنا تنسجم مع خطبة البابا أوروبان الثاني في كليرمون بجنوب فرنسا في 27 نوفمبر 1095 م . لكن القصيدة تحاول تبرير الحملة الصليبية باعتبارها حربًا عادلة Bellum Justum ، وهذا ما يردده المؤرخون الصليبيون مثل جيلبرت السابق ذكره ، والمؤرخ المجهول صاحب أعمال الفرنج Gesta Francorum ، وفوشيه الشارتري وغيرهم من المؤرخين الصليبيين . إذْ نجد في هذه الأدبيات نغمة تبرئة الذات ، وتمجيد العمل البطولي ضد الآخر الذي يحمل مسؤولية الحرب بسبب شروره وخطاياه . وتعكس هذه القصيدة أيضًا إحساس الفرنج بأنهم الشعب المختار Le Peuple elu ، أي أنهم الأداة التي اختارها الرب لتنفيذ إرادته ، وتحرير ضريحه من المسلمين الذين كانت القصيدة سخية في إغراقهم بالصفات الكريهة . ولقد كانت أنشودة أنطاكية انعكاساً أميناً للتفكير الشعبي في أوروبا القرنين الحادي عشر والثاني عشر ؛ فهي تتحدث عن « الانتقام » الذي كان « الرب المصلوب » قد أمر المؤمنين بتوقيعه على « الوثنيين المخذولين » . وهكذا تبدو الفكرة الصليبية حية قوية في ثنايا هذه الأنشودة عاكسة الحال الوجدانية في أوروبا الكاثوليكية قبيل الحملة الصليبية الأولى وفي أثنائها . كما أنها تشي بصورة الآخر - المسلم في الذهن الأوروبي ، وتعبر عن الموقف الوجداني الكاره والمعادي لهذا الآخر المسلم . ومن التذكير بأن الأغاني والقصائد الشعبية حول الحركة الصليبية كانت كثيرة متنوعة ، وربما يعود سبب ذلك إلى ازدهار الشعر الشعبي في شمال فرنسا وفي جنوبها ( مع بداية تكون اللغات المحلية على حساب اللغة اللاتينية التي كانت اللغة الوحيدة للكتابة حتى ذلك الحين ) ؛ فضلًا عن أن الكتابة التاريخية بالشعر كانت تهدف إلى تلبية حاجة ثقافية للمجتمع الفرنجي الذي كانت تسوده الأمية آنذاك . فقد تم تأليف التواريخ المنظومة شعرًا لمن لا يعرفون اللاتينية من ناحية ، ولا يعرفون القراءة بأية لغة من ناحية أخرى . ومن سوء الحظ أن الصياغات الشعرية التاريخية لم تصلنا ، إما لضياعها بسبب طبيعتها الشفوية وارتباطها بمشروع مؤقت كان مآله الفشل في نهاية الأمر ، وإما بسبب التغيرات الكثيرة التي طرأت عليها ، بسبب طبيعتها الشفوية أيضًا ، حتى وصلتنا في صياغات مغايرة تمامًا لصياغتها الأصلية . وحملت أنشودة أنطاكية الأوصاف السلبية للمسلمين والإسلام كانت تحملها أغاني الحروب الصليبية كافة . لقد كان سقوط الرها صدمة نفسية مؤلمة ، ونذير شؤم للأوروبيين . لذا سارعت أوروبا إلى تقديم العون إلى الصليبيين المستوطنين في المنطقة العربية . وكانت الدعاوة - التي كانت الأغاني جزءًا أساسيًا منها - هي المعادل الموضوعي للاستعداد العسكري لشن حملة صليبية جديدة ضد المسلمين .